حكايات وحكايات

تم جمع و كتابة الحكايات الشعبية وتصحيحها و ترجمة بعضها إلى اللغة العربية الفصحى من طرف فاطمة فكروش( معلمة مادة اللغة العربية)

السبت، 20 أغسطس 2011

حكاية حديدان الصغير


حكاية حديدان 

كان يا مكان.. في قديم الزّمان.‏ 
جدّة طيّبة تعيش مع حفيدها الوحيد واسمه حديدان، في قرية خضراء جميلة، وكانت تلك الجدّة تحبّ حفيدها حبَّاً جمَّاً، تدلّله.. وترعاه.. و..‏ 
ذات صباح.. قدّمت الجدّة إلى حديدان كوباً من الحليب وقطعتين من الجبن ورغيفاً كبيراً خبزته لتوّها على التنّور.‏ 
نظر حديدان إلى الرّغيف، وجده ممطوطاً، قلب شفتيه وقال:‏ 
-ما هذا يا جدّتي!؟ الأرغفة الّتي تصنعينها عادة دائرية، أمّا هذا فشكله بشع. ثمّ دفعه باشمئزاز.‏ 
انحنت الجدّة على الرّغيف، أمسكت به، قبّلته، قالت:‏
-بشع!؟ أَبَعد تعبي أسمع منك هذه الكلمة؟ كنت أتوقّع منك –على الأقل- كلمة ((شكراً))، لقد أفقتُ قبل بزوغ الشّمس، أوقدت التّنور، عجنت، رققت العجين ثمّ خبزت وبعد كل هذا التّعب تقلب شفتيك مستاءً، وترمي بالنّعمة على الأرض؟‏ 
-أف.. وماذا حصل؟ هل خربت الدّنيا؟‏ 
-نعم خربت، لأنّك لا تعلم أنّ الرّغيف الذي رميته كلّف جهداً وتعباً كبيرين.‏
-جهد.. تعب!! أنا أستطيع –على الرّغم من صغري- صنع رغيف أفضل من رغيفك بكثير.‏
رَكَزَتِ الجدّة نظّارتها على أرنبة أنفها، وبعد تفكير عميق.. قالت:‏ 
-طيّب.. أنا غاضبة منك، ولن أرضى حتّى تصنع الخبز بنفسك، هيّا.. أرني مهارتك‏ 
نهض حديدان مصمِّماً، توجه إلى التّنور المطلي بهباب الفحم، وقف أمامه، قال:‏ 
)) يا تنّور يا حزين.. يا خبّاز العجين))، أعطني رغيفاً مدوَّراً، كي أريه لجدّتي، فترضى عنّي.  
فتح التّنور فمه الكبير ضاحكاً، وقال بصوت لا يخلو من صدى:‏ 
-وكيف أعطيك الرّغيف وأنا بحاجة إلى الحطب؟‏ 
-ومن أين آتيك بالحطب؟‏ 

-بسيطة.. الحطب موجود في الجبل.‏ 
صعد حديدان الجبل، وقف على رأسه، صائحاً:‏ 
))يا جبل يا كبير.. يا مخبأ العصافير))، أعطني حزمة حطب.‏ 
قهقه الجبل، فتدحرج بعض الحصى، قال:‏ 
-كيف أعطيك الحطب وأنا بحاجة إلى فأس؟‏ 
-فأس!! وكيف أحصل عليها؟‏ 
-الفأس عند الحدّاد.‏ 
هبط حديدان الجبل، توجه إلى الحدّاد، رأى رجلاً قويّ البنية، مفتول الزّند، يضع الفحم في بيت النار ثم ينفخه بالكير.‏ 
يا))حدّاد يا خبير.. يا نافخ الكير)) أعطني فأساً.‏ 
وقف الحدّاد، مسح عرقه بقفا كفّه، قال:‏ 
-أمعك نقود؟‏ 
أدخل حديدان كفّيه في جيبيه، وأخرجهما فارغتين.‏ 
-لا.. أنا لا أملك نقوداً.‏ 
-إذاً.. كيف سأعطيك الفأس؟!‏ 
دمعت عينا حديدان، واستدار راجعاً، فنَاداه الحدّاد:‏ 
-هيه، أنت.. تعال يا عين عمّك، احكِ لي ماهي قصّتك.. ولماذا تريد الفأس؟‏ 
مسح حديدان دموعه بطرف كمّه، ونشق قائلاً:‏ 
-جدّتي غضبت منّي، ولن تكلّمني إلاَّ إذا صنعت لها رغيفاً مدوَّراً، ذهبت إلى التّنور فطلب حطباً، والحطب في الجبل، والجبل بحاجة إلى فأس، والفأس موجودة عندك.‏ 
ابتسم الحدّاد، اقترب من حديدان مربّتاً على كتفيه، قائلاً:‏ 
-ما دمت تريد إرضاء جدّتك، فأنا سأعطيك الفأس، لكن.. بشرط.‏ 
-ما هو؟‏ 
-أن تساعدني بصنعه.‏ 
-موافق.‏ 
شمّر حديدان عن ساعديه، أمسك مطرقة، وراح يطرق الحديد المحمّى، فصار وجهه أحمر ‏
وعندما انتهيا من صنع الفأس، حملها حديدان شاكراً، ركض إلى الجبل، احتطب.. وضع حزمة الحطب والفأس على ظهره، ومشى صوب التّنور.‏ 
أوقد حديدان التّنور، عجن العجين، رقه، و..‏ 
عبثاً حاول صنع رغيف، فمرّة.. يصنعه ممطوطاً، ومرّة.. مثقوباً، وأحياناً كثيرة يحرقه، فيصبح أشبه بقفا طنجرة.‏ 
وقف حديدان مستسلماً، مسح عرقه، تذكّر دفعه للرغيف، قال:‏ 
-ما أغباني.. حسبت الأمر سهلاً، ما العمل.. كيف سأرضي جدّتي؟‏
شعر بيد تمسح على شعره، التفت.. رأى جدّته، مبتسمة، تقول:‏ 
-أظنّك قد تعلّمت درساً مفيداً، لقد رضيت عنك، تعال ساعدني، لأخبز لك رغيفاً مدوَّراً يشبه القمر.‏